اسماعيل بن محمد القونوي
371
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المعاصي والمرغيات على القربات وهلاك الأمم الماضية باقتراف المرديات ولا ضير في عدم وصول بعضهم إلى التقوى لتعوق عائق بأسباب شتى . قوله : ( وغلب المخاطبين « 1 » على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم ) إشارة إلى قوله : وغلب المخاطبين على الغائبين أراد بالغائبين الذين من غير الحاضرين وقت الخطاب من الناس الموجودين فإنهم غيّب لكنهم المرادون في خطاب لَعَلَّكُمْ [ البقرة : 189 ] على طريق التغليب كقولك أنت وزيد فعلتما وأنتم وبنو فلان فعلتم قوله وقيل تعليل للخلق عطف على قوله حال عن الضمير أي وقيل ولعل بمعنى كي مفيدة لتعليل الخلق والمعنى خلقكم لكي تتقوا أي لأجل التقوى وهذا القول ضعيف إذ لم يثبت في اللغة أن لعل قد تجيء بمعنى كي قال القطب الرازي وليت شعري لم لا يجوز مجيء لعل بمعنى كي وقد نقل ذلك بعضهم عن سيبويه كقوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ البقرة : 189 ] أي تفلحوا وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ البقرة : 185 ] أي تشكروا وفي الكشاف ولعل للترجي أو الاشفاق تقول لعل زيدا يكرمني ولعله يهينني وقال اللّه تعالى لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 20 ] لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [ الشورى : 185 ] ألا ترى إلى قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها [ الشورى : 18 ] وقد جاءت على سبيل الأطماع في مواضع من القرآن ولكن لأنه أطماع من كريم رحيم إذا أطمع بفعل ما يطمع فيه لا محالة لجرى اطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به قال من قال إن لعل بمعنى كي ولعل لا تكون بمعنى كي ولكن الحقيقة ما ألقيت إليك وأيضا فمن ديدن الملوك وما عليه أوضاع أمرهم ورسومهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إيجازها على أن يقولوا عسى ولعل ونحوهما من الكلمات أو يخيلوا حالة أو يظفر منهم بالرمزة والابتسامة أو النظرة الحلوة فإذا عثر على شيء من ذلك منهم لم يبق للطالب ما عندهم من شك في النجاح والفوز بالمطلوب فعلى مثله ورد كلام مالك الملك ذي العز والكبرياء أو يجيء على طريق الأطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ التحريم : 8 ] قال القطب الرازي قوله ولعل للترجي أو الاشفاق لأن لعل لتوقع أمر فإن كان نافعا فهو للترجي وإن كان ضارا فهو للاشفاق أما الترجي فكقولك لعل زيدا يكرمني وقوله تعالى : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] وأما الاشفاق فكقولك لعله يهينني وقوله تعالى : لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [ الشورى : 17 ] فإن الإشفاق لقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ [ الشورى : 18 ] منها وقد يجيء للأطماع في مواضع من القرآن وفرق بين الأطماع والترجي هو أن الأطماع من المتكلم للغير والترجي إما للمتكلم أو للمخاطب كما في قوله تعالى : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] فإن هذا الترجي ليس للمتكلم لاستحالة الترجي من اللّه تعالى بل للمخاطب إذ معناه قولا له قولا لينا راجين تذكر أو خشية ثم الأطماع إما مقرون بالحصول لأنه أطماع من كريم أو لأنه أطماع من عظيم وأما أطماع مجرد وإليه أشار بقوله أو مجيء على طريق الأطماع دون التحقيق لقوله ولكن لأنه أطماع تعليل لقوله قال من قال وهو ابن الأنباري فإنه لما رأى وقوع الإطماع في تلك الصورة توهم أن
--> ( 1 ) ولو لم يغلب قيل لعلكم وإياهم وهذا التغليب بناء على أن المراد بالذين من قبلكم الأمم السالفة لا التعميم إلى غير العقلاء ولو سلم لا يلزم كون ما سوى الإنسان من الجماد مطلوبا منه التقوى إما لأنه من قبيل إسناد ما هو للبعض إلى الكل أو لأنه عام خص منه البعض بقرينة العقل فلا يرد ما أورده مولانا خسرو .